لاتستطيع مشاهدة الروابط الا بعد الرد على الموضوع وقم بتحديث الصفحه لتظهر الروابطترزح هذه الأمة المنهزمة تحت وطأة التخلف الحضاري، ولكنها لا زالت تملك إرادة مذهلة لأجل التقدم، مع وجود تيارات متصارعة بقوة العنف والتكفير والتجهيل والتسفيه والتفسيق، ولا زالت جماعة صغيرة مفرقة ومتفرقة تعمل بعقلانية لم يقدر لها أن تتسلم مقاليد القيادة إلى طريق النهضة.
في لجة هذا الصراع تحدث الجميع، كلهم يبحث عن سبب التخلف، وبرز للسطح عدد كبير من هؤلاء يقولون في تسطيح فج أن حجاب المرأة هو سبب التخلف، أما في السعودية فتغطية الوجه هي سبب التخلف، والعقال الخليجي هو سبب التخلف، والإباحية الإعلامية التي يقودها أثرياء السعودية ومصر هي سبب التخلف. وإذا أنتقل الصراع إلى ساحة المثقفين قال بعضهم أن الوهابية هي سبب التخلف، أو أن العلمانية هي سبب البلاء، أو أن السياسيون هم سبب المرض، أو أن تخلف المجتمع هو سبب هذه الهزيمة الماحقة.
في أحد الدورات التي حضرتها، أجرينا لعبة ترفيهية، حيث قام المدرب بضمنا حول طاولة دائرية، كل واحد منا معصوب العينين لا يرى إلا السواد، وزع أثناء ذلك لكل واحد منا، قطعا لأشكال مختلفة، وكان المطلوب هو أن نعرف كل الأشكال المتجمعة باللمس والكلام دون أن نراها.
كان هناك وقت محدد يمثل الموت، أثناءه كان الجميع يتحدث بصخب، ولم يستطع قائد المجموعة الذي اخترناه أن يسهل عملية معرفة الأشكال وألوانها بسبب الصراخ على تبادل الرأي، كان المدرب بعيدا عن إدارة الموقف يخبرنا بأن كل الأشكال هي أربعة ألوان ومجموعة من القطع الغريبة، وكنا بحاجة لمساعدة المدرب لمعرفة الألوان، فعندما كنت ألمس القطعة أسأله ما لونها ليجيب بأنه الأحمر.
في كل الأحوال كنا بحاجة لمن يرى، وكنا بحاجة للقائد كي يحفظ الأشكال الموجودة عند أفراد الفريق، ولكن في نهاية اللعبة لم نتوصل لمعرفة الأشكال سوى بقدر قليل!
تعددت أهداف هذه اللعبة، وأحدها يذكرني بالفيل الذي أحضره الفيلسوف لأربعة من العميان وجعل كل واحد منهم يمسك منه طرفا، فقال أحدهم أنها زرافة، وقال الآخر أنها بناية وقال الآخرون بما يشبه ما قالوا.
في النهاية كل واحد منا يبحث عن الحقيقة، ولا يراها، فحتى الإيمان بالله ورسوله ليس إلا إدراكا قلبيا يؤكده أو يكذبه العقل، إلا من أتى الله بقلب سليم. فلا نستعين بالعقل إلا كما يستعين الأسد بأنيابه، كي نؤكد صحة أقوالنا القلبية، ولست هنا أدعو بدعوة المتصوفة ولا أقول مثلما يقول الغزالي : أن الحقيقة نور يقذف في الصدر، ولكنني لست بمن يقول أن الحقيقة لا تأتي إلا بالعقل.
ذلك القلب هو رديف للإرادة، فإذا أردت أن تكون دنيويا “علمانيا” فأنت في الغالب تريد أن تعيش بسلام في الدنيا ولا تهمك الآخرة، أما إذا دعوت للإسلاموية فأنت تريد الحياة الآخرة ولا تهمك الدنيا. أما إذا أردت أن تجمع بين الإثنين فأنت ستدعو لصوت العقل ولكنك ستعاني في صراع التيارات، وسوف تصاب بالعمى عندما تتجرأ في الحكم على الأشياء من حولك، وستبقى في المقام الأول، تفكر وتتحدث وتعمل حسب الإرادة الشخصية.
فليست الحقيقة كفيل الفيلسوف الإغريقي الذي لم يعرفه العميان الأربعة، بل هي طائر معروف بسابق وصف أو رؤية لا أحد يعلم لونه أو عمره أو حتى طعمه إن كان الشهد أو العلقم.
فإذا كان القلب قد ترمد أو اكتمل سواده ، فسوف يعاني الكمد لإدراك الحقيقة، حتى يستسلم للكذبات النفسية. وإذا كان العقل قد تقولب سلفا، فسوف يأتي بما آتى به الأوائل، ليكون سخرة لمرجعية الآخرين.
الغاية من هذه المقدمة هي مبدأ واحد : علينا أن نتواضع وأن نكافح وأن نشقى لإدراك الحقيقة. المثقفين هم في تصوري من عليهم الخضوع إلى ميزان النقد قبل السياسيين أو المجتمع أو حتى بعض رجال الدين الذين همهم الدين وحده دون الدنيا، فهؤلاء المثقفين هم صناع الأفكار، وهؤلاء هم مقدمة الأبطال الفاتحين وهم أيضا مقدمة قادة الهزيمة.
ونحن أمة الإسلام، هي الثابت الوحيد، الإسلام كما أنزله الله : بأركانه الخمس، بعيدا عن التحزب السلفي أو عن عبث غلاة الشيعة بالتاريخ، أو تغييب العقل الصوفي، وبعيدا عن الدنيوية القادمة من الغرب.
هؤلاء المثقفين المسلمين، بيدهم الأمر بعد الله.